الجاحظ
9
رسائل الجاحظ
وتبنيه من الباطل . وهو بذلك يشبه علم المنطق عند الفلاسفة . وعلم الكلام يعرفنا ما أحل اللّه لنا وحرم في تنزيله أو في القرآن ، ويثبت وجود اللّه ، ويقدم الحجج على النبوة . لهذه الأسباب كان علم الكلام جديرا بالتعظيم والذب عنه وافتدائه بكل غال وثمين ، إذ به يعرف الصغير والكبير ، والحقير والخطير . وبه يستدل على الخير من الشر . وهو يصنع في العقول صنيع العقل في الروح ، وصنيع الروح في الجسد . وإذا كان علم الكلام ذا فضائل عظيمة الشأن فإنه لا يخلو من الآفات الكثيرة وهذه الآفات قسمان ظاهر وخفي ، والخفي لا يدرك الا بالعقول السليمة وادمان الفكر ودراسة الكتب وممارسة المناظرة . من تلك الآفات الغرور ، والمغتر يرى أنه أحسن جميع الصناعة في حين لم يحسن الا بعضها ، ويرى نفسه فوق من خاصمه وانه على حق بينما غيره على بطل ، وانه أذكى من خصمه ، ولهذا يكثر في صناعة الكلام الدخلاء والأدعياء . ومن تلك الآفات الخصومة بين المتكلمين ، فهم يتجادلون ويتشاجرون في المحافل فيرفعون أصواتهم ويحركون أياديهم ، ويروم كل واحد منهم التغلب على الآخر ، وحب الغلبة يفسد النية ويمنع من درك الحقيقة ويخرج بصاحبه عن الاعتدال ويحيد عن القصد . ويستطرد الجاحظ من تعداد آفات علم الكلام إلى عداوة الناس لهذا العلم وربما اعتبر هذه العداوة من أهم آفات صناعة الكلام . انه يلقى الظلم من معظم الناس الذين يبخسونه حقه ويزدرونه ويعرضون عنه . من هؤلاء جمهور الأدباء وذوو العقول الضعيفة والقصيرة النظر ، والعوام وخواصهم ، والملوك ومن إليهم . ومن أعداء علم الكلام أصحاب الصناعات ، فأصحاب الحساب والهندسة يزعمون أن علم الكلام ليس علما حقيقيا لأنه يقوم على الاجتهاد والحدس والتمويه